مقال

البكر تفضل عند الاختيار إلا لحاجة

الحديث (2): فضل البكر على غيرها إلا لحاجة

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنه –  قَالَ: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم –  مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم –  ، فَقَالَ: ((مَا يُعْجِلُكَ))، قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ، قَالَ: ((أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟))، قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ))، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، قَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -أَيْ عِشَاءً- لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ)).[1]

الشرح:

في هذا الحديثِ يقول الصَّحابيُّ الجليلُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ D: “كُنَّا”؛ أي: الصَّحابَةُ، مع رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم –   في “غَزاةٍ”؛ أي: غزوةٍ أو معركةٍ، “فلمَّا أَقْبَلْنَا”؛ أي: فلمَّا انتهينا وعُدْنَا راجِعينَ، “تَعجَّلْتُ”؛ أي: كنتُ مُستعجلًا، وأسرعتُ السَّيرَ، “عَلَى بَعيرٍ لِي”؛ أي: على جملٍ ملك لي، “قَطُوفٍ”؛ أي: بطيء المشي مع تقارُب الخطو، “فلحِقَني رَاكِبٌ خَلْفِي”؛ أي: فأدركني أحدٌ من ورائي، “فنخس بعيري”؛ أي: طعن جملي في مُؤخِّرته ليُسرع من سَيْرِهِ، “بِعَنَزَةٍ كانَتْ مَعَهُ”، والعَنَزةُ هي عصًا قصيرةٌ تُشبهُ الرُّمح، في آخِرِها حديدةٌ عريضةٌ، “فانطلَقَ بَعِيرِي”؛ أي: فأسرع جملي السَّيرَ، واشتدَّ في الحركة، “كأَجْوَدِ ما أنتَ رَاءٍ مِنَ الإبلِ”؛ أي: كأفضلِ وأسرعِ ما ترى من الجمال. قال جابرٌ: “فالتفَتُّ”؛ أي: أدرتُ رأسي لأنظُرَ من الذي طعن جملي فأسرع سيرَهُ، “فَإِذَا أَنَا بِرسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم –  “؛ أي: فوجدْتُهُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم –  ، “فَقَالَ”؛ أي: النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم –  : ((مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟))؛ أي: ما سببُ استعجالِك وإسراعِك في السَّيْرِ؟ “قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ”؛ أي: إنِّي قد تزوجتُ قريبًا، فأنا ما زلتُ عروسًا، “فَقَالَ”؛ أي: النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم –  : ((أَبِكْرًا تزوَّجْتَها أم ثَيِّبًا؟))؛ أي: هل تزوجتَ بكرًا، وهي التي لم تتزوَّج من قبلُ، أم هل تزوَّجْتَ ثيبًا، وهي التي سبق لها الزَّواجُ؟ “قال”؛ أي: جابرٌ، “قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا”؛ أي: تزوَّجتُ امرأةً قد تزوَّجَت من قبل، وليست بكرًا، “قَالَ”؛ أي: النبيُّ – صلى الله عليه وسلم –  : ((هَلَّا جَارِيةً))؛ أي: لماذا لم تتزوَّجْ بكرًا؟! فإنَّ ذلك أفضل؛ ((تُلاَعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ))؛ أي: تلعب معها، وتلعب معك، وتلاطفها وتلاطفك، “قَالَ”؛ أي: جابرٌ، “فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ”؛ أي: فلمَّا رجعنا إلى المدينة، “ذَهَبْنَا لِندخُلَ”؛ أي: هممنا أن ندخل على أهلينا، فقال النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم –  : ((أَمْهِلُوا))؛ أي: اصبروا، ولا تدخلوا الآن على أهليكم، ((حَتَّى نَدْخُلَ لَيلًا”؛ أي: سوف ندخل على أهلينا باللَّيل، وليس الآن، ((أَيْ عِشَاءً))؛ أي: بعد صلاة العشاء؛ ((كَيْ تَمْتَشِطَ))؛ أي: لكي تهذِّب شعر رأسها وتُجمِّله، ((الشَّعِثَةُ))؛ أي: التي تفرق شعرُ رأسها، فأصبح قَبيحَ الهيئة، ((وتَسْتَحِدَّ))؛ أي: تستخدم المُوسى الحديد لإزالة شعر العانة، ((المُغِيبَةُ))؛ أي: الَّتي غاب عنها زوجُها، والمقصود: أنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم –   منعهم أن يسرعوا الدخول على أهليهم، وأمرهم أن ينتظروا إلى الليل؛ لكي يعطوا النساء فرصة لكي يتجهزنَ لهم، ويصلحنَ من هيئتهنَّ وشعورهنَّ، ويتجملنَ لهم، ويستعددنَ لاستقبالهم، “قَالَ”؛ أي: جابرٌ: “وَقَالَ”؛ أي: النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم –  : ((إِذَا قَدِمْتَ))؛ أي: إذا دخلت على أهلك، ((فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ))، قيل: يعني الجماع، كأنه يحثُّه على الجماع، وقيل: بل أراد ما هو أخصُّ من ذلك، وهو الولد، فكأنه يرغبه في ابتغاء الولد، وقيل: هو العقل والحلم، كأنه يقول له: عليك بالعقل والحلم إذا دخلت على أهلك، فراع حالهم من حيث الطهر والحيض.[2]

الدروس المستفادة:

  1. جواز نكاح الثيبات إذا كان ذلك لمعنًى كالمعنى الذي قصد له جابر – رضى الله عنه –  من سبب أخواته، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات غير بالغات يحتجنَ إلى قيمٍ أو متعهِّد.
  2. نكاح الأبكار أولى؛ لحضه عليه بقوله: ((فَهَلاَّ جَارِيَةً)).
  3. سؤال الإمام عن أحوال أصحابه في نكاحهم ومفاوضتهم في ذلك.
  4. التنبيه على أهمية ملاعبة الأهل مطلوبة؛ لأنَّ ذلك يحبب الزوجين بعضهما لبعض، ويخفف المؤنة بينهما، ويرفع حياء المرأة.
  5. إعلام أهل بيته بموعد عودته من السفر كي تصلح نفسها لزوجها ما غفلت عنه لغيبته؛ فلا يجد منها ريحًا أو حالة يكرهها، فيكون ذلك سببًا إلى بغضها.
  6. فضل جابرٍ – رضى الله عنه- ؛ حيث خرج للجهاد وهو حديث عهد بعرس.

[1] رواه البخاري (5079) ، ومسلم (715).

[2] الدرر السنية – الموسوعة الحديثية

بقلم

د. أسامة زيدان عبدالرحمن

مستشار أسري وتربوي، ومؤسس مركز مودة للدراسات الأسرية والتربوية.

السيرة الذاتية
مقال

طبق الكشري

يشبّه المقال حال المجتمع بطبق الكشري المختلط، وينتقد المغالاة في المهور والجهاز، ويضع خمس قواعد لزواج ميسّر.

قراءة دقيقتان
مقال

سلسلة طريق النجاح

ثلاث جوائز يحصل عليها من اتقى الله وتوكل عليه: مخرج من كل ضيق، ورزق من حيث لا يحتسب، وكفاية الله في كل الأمور.

قراءة دقيقة
مقال

حارس المرمى

مقال يقارن بين زيّ المرأة ومكانتها وبين وضع حارس المرمى في فريق كرة القدم، ليبيّن أن اختلاف الزيّ والحدود يحفظ توازن المجتمع.

قراءة دقيقتان